عبد الملك الجويني

599

نهاية المطلب في دراية المذهب

قلنا أولاً : ظاهر القرآن لا تفصيل فيه ؛ فإن الرب تعالى قال : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } [ البقرة : 239 ] . ثم في هذا تحقيق من الأصول ، وهو أنا لا ننكر إجراء القياس في باب الرخص ، إذا لم يمنع مانعٌ ، والإجماع في منع إجراء رخص السفر في المرض [ من أجلّ الموانع ] ( 1 ) ، فلا يمتنع أن نعتقد عدم انحسام القياس الممكن في باب إذا لم يمنع منه أصل . وذكر الأئمة أن المعسر المديون إذا كان لا يصدقه غريمه في إعساره ( 2 ) ، ولو أدركه ، لحبسه ، فله أن يهرب ويصلّي صلاة الخوف ، إذا كان يعلم أنه لو صلى أدركه الطالب ، وهذا منقاس . وفي بعض التصانيف أن من عليه القصاص يصلي صلاة الخوف هارباً ، وله أن يهرب لرجاء العفو عنه . وهذا قد ذكرته في أعذار الجماعات ، وهو بعيد عندي على الجملة ، ولعله إن جُوّز ، ففي ابتداء الأمر حين ( 3 ) يفرض سكون غليل الطالب قليلاً في تلك المدة ، وفي مثل ذلك يرجى العفو ، ولا شك أن ذلك لا يدوم أبداً في كل حكم ذكرنا فيه عذراً . وإن صح جواز الهرب فيه ، فمن ضرورته تصحيح إقامة صلاة الخوف ، ولكن الإشكال في جواز الهرب من مستحق الحق ، وليس ذلك كالمعسر يهرب ؛ فإنّ أداء الدين غير مستحق عليه . فرع : 1554 - إذا قرب فوات الوقوف ، ولو صلى المُحرم متمكناً ، لفاتته الحجّة ، ولو تسرع ، فاتته الصلاة ، فهذا عسر في التصوير ، ولكن الفقهاء يقدّرون ما لا يدرك حساً ، ويُجرون الكلام على التقديرات ، كفرضهم مقدار تكبيرة تدرك من آخرِ النهار ، وهذا مستحيل في مطّرد العادة ، قال شيخي فيما نقله عن القفال : هذا يَحتمل أوجهاً : أحدها - أن يترك الصلاة ؛ فإن قضاءها ممكن ، وأمر الحج وخطرُ قضائه ليس بالهيّن .

--> ( 1 ) زيادة من ( ت 1 ) ، ( ل ) . ( 2 ) ( ل ) : إعدامه . ( 3 ) في ( ل ) " حيث " .